Form.jpg
www.jahshan.com إلى الموقع الرئيسي
المشاركات الشائعة

الفساد في القطاع الصحي انتهاك لحق الإنسان بالصحة والحياة


إن الصحة هي حق إنساني عالمي وان الفساد يحرم كثير من المواطنين من النفاذ الميسر والسهل للرعاية الصحية، وعليه جاءت هذه الورقة لتستعرض أشكال هذه الفساد بطريقة منهجية بهدف حماية هذا الحق، فقد عرف التقرير العالمي للفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية "الفساد" بأنه سوء استخدام السلطة والموقع العام بهدف تحقيق مكاسب خاصة، وأشار هذا التقرير إلى نهب الملايين من مخصصات الرعاية الصحية بفعل مظاهر الفساد المتفشية من السرقة والرشوة والابتزاز، وإلى أن العقاقير الطبية المزورة تحصد الآلاف من الأرواح في كل عام وُتسارع في انتشار الأمراض المقاومة للعقاقير، وإلى حرمان الملايين من البشر من العناية الطبية الأساسية وبالتالي تكون المعاناة الإنسانية هي المحصلة الحقيقية والثمن الباهظ نتيجة الفساد في القطاع الصحي، فالمال الذي يضيع بسبب الفساد يمكن استخدامه لشراء الادوية، وتجهيز المستشفيات ودعم الكادر الطبي الذي تحتاجه المنشآت الطبية. إن مواجهة الفساد في مجال الرعاية الصحية هو قضية عمومية جوهرية وهي هامة بحيث يمكن اعتبارها مسألة حياة أو موت خصوصا بالنسبة الى الملايين من البشر وخاصة الفقراء منهم الذين يقعون ضحايا مقدمي الرعاية الصحية عديمة الأخلاق والمبادئ.

إن أنظمة القطاع الصحي معقدة التركيب وغامضة لعامة الناس وهي بيئة خصبة للفساد، وعلى الرغم من أن غالبية العاملين في القطاع الصحي يقومون بأداء مهامهم العلمية والعملية بجد ونزاهة وتكامل مهني، إلا أنه هناك مؤشرات وأدلة لانتشار الفساد في كافة أنواع القطاعات الصحية على شكل أنشطة تتصف بالتحايل والارتشاء في الخدمات الصحية على اتساعها وشمولها وتتراوح هذه ما بين السرقات الصغيرة والمحدودة وعمليات الابتزاز إلى الانحرافات الهائلة للسياسات والتمويل المالي وإلى رشاوي المسؤولين، وأشكال الفساد هذه تفشت وتصاعدت لتخترق كافة أشكال الرعاية الصحية للقطاع العام و القطاع الخاص إن كانت في شكل الرعاية الأولية أو الرعاية المتقدمة. انتشار الفساد هو انعكاس لثقافة سلبية منتشرة في البيئة التي يخدمها القطاع الصحي، فقد أظهرت الدراسات أن الفساد هو أقل انتشارا في المجتمعات التي تحترم القانون، وتتصف بالشفافية والثقة بالأخر، والتي يكون القطاع الصحي العام بها ملتزم بإدارة ناجعة بمرجعية إجراءات ونظم أخلاقية موثقة وآليات مسائلة معلنة وواضحة للجميع.

لماذا القطاع الصحي عرضة للفساد أكثر من غيره؟ إن عوامل المخاطرة التي تؤدي إلى الفساد في القطاعات المختلفة تؤثر على القطاع الصحي أيضا بالإضافة إلى عوامل خاصة به تجعله عرضة للفساد أكثر من غيره، فالقطاع الصحي يتصف بغموض مهني معقد لا يسمح بسهولة المراقبة وقياس أداء الخدمات والبرامج من خارج القطاع، كما وأن القطاع الصحي يتصف بالتشتت وعدم تماثل نظم المعلومات به ويتصف أيضا بحاجته لعدد كبير من المهن المختلفة والمتنوعة التي تخدم القطاع تتراوح ما بين صانعي القرار والمشرعين والإداريين والأطباء والتأمينات الصحية مما يفاقم الصعوبات والمشاكل في عملية تحليل المعلومات وفي عملية الترويج للشفافية واستكشاف منابع الفساد، بالإضافة لاعتماد القطاع الصحي على شركات القطاع الخاص لتوفير البنية التحتية وبناء الإنشاءات وتوفير العقاقير والمستلزمات الطبية والخدمات الاستشارية وكذلك هو عرضة للفساد لتضخم حجم ميزانيته من المال العام، ومما يزيد الأمر تعقيدا هو حقيقة الإخفاق في التمييز ما بين كون تردي اوضاع الخدمات الصحية في القطاع العام هي نتاج الفساد أو هي نتاج عدم توفير موارد كافية أو كونه نتيجة أخطاء مهنية ونقص بالكفاءة والتدريب، ويتعقد الوضع أكثر لصعوبة قياس هدر الموارد المالية الإجمالية للفساد في هذا القطاع، كما ويزدهر الفساد في القطاع الصحي بسبب عوامل خطورة من مثل الرواتب المتدنية للعاملين الصحيين بسبب خفض وتحديد الدولة الميزانيات الصحية وعدم تقدير ومكافئة الإنجازات الطبية المميزة، وغياب مراقبة تنفيذ الإجراءات والإخفاق بالأشراف على المقاييس المهنية وغياب عقاب المخالفين جزائيا وحقوقيا.

ما هي عواقب الفساد في القطاع الصحي؟ الفساد عمومًا يحرم المواطنين من سهولة النفاذ السهل للرعاية الصحية ومن الممكن أن يؤدي إلى تقديم علاج خطأ أو مميت وليس هناك مواطن محصن من أي يكون ضحية لهذا النوع من الفساد، إلا أن الفقراء أكثر تأثراً بفساد القطاع الصحي لأنهم أقل قدرة على التأقلم والاستجابة للبيئة الفاسدة وهم يعتمدون مباشرة على الخدمات شبه المجانية التي يقدمها القطاع العام المنهك بالفساد، وهم غير قادرين على إيجاد بديل ودفع مقابل خدمات صحية بالقطاع الخاص. على مستوى السياسات يؤدي الفساد في القطاع الصحي إلى تحويل وتوجيه الأموال إلى مشاريع محددة لمنفعة شخصية أو مالية بغض النظر عما إذا كانت تتناغم والسياسة الصحية على المستوى الوطني.

ما هي أشكال الفساد في القطاع الصحي؟

ترتكب أنشطة الفساد بالقطاع الصحي من قبل جهات عديدة ومتقاطعة تشمل صانعي القرار والمدراء على المستوى التنفيذي والرقابي، والموظفين العموميين في التأمين الصحي، وأطباء القطاع الخاص والعام وشركات الأدوية والمستلزمات الطبية وشركات تقديم الخدمات الفندقية والمرضى أنفسهم وتتضمن أشكال الفساد المنتشرة في القطاع الصحي ما يلي:

  1. فساد الأطباء في القطاع العام: يتقاضى الطبيب في القطاع العام راتب ثابت بغض النظر عن عدد الحالات التي يتعامل معها أو نوعية الخدمة التي يقدمها وهذا يشكل عامل خطر للتراخي في تقديم الخدمات بالشكل الجيد ويعتبر شكلا من أشكال الفساد. أشكال الفساد الأخرى التي قد يقوم بها الطبيب في القطاع العام هي بإساءة استخدام وظيفته العامة بتحويل المرضى إلى خدمات في القطاع الخاص لمنفعة شخصية أو مالية، أو استخدام الخدمات والمستلزمات الطبية في القطاع العام لمرضى القطاع الخاص، وقد يعمل أطباء القطاع العام في القطاع الخاص على الرغم من أن الأنظمة لا تسمح بذلك، على حساب مجهودهم الذي من المفترض أن يقدم للمرضى في القطاع العام، وقد يقوم الأطباء في القطاع العام بإساءة استخدام صرف العقاقير الطبية لمنفعة شخصية أو لمنفعة أصدقائهم أو أقاربهم أو بهدف إعادة بيعها لمنفعة مالية او بهدف استخدامها في القطاع الخاص، وشكل أخر من أشكال الفساد التي يقوم بها الطبيب في القطاع العام هو الحصول على منفعة شخصية أو مالية مقابل الخدمات التي يقدمها للمرضى والتي من المفترض أن تكون مجانية أو شبة مجانية. إن أنشطة الفساد هذه التي يقوم بها بعض الأطباء في القطاع العام غير قانونية وغير أخلاقية إلا أنه في كثير من دول العالم الثالث ينظر إليها على أنها أنشطة مقبولة اجتماعيا للتأقلم مع الرواتب المتدنية وبيئة العمل السيئة.

  2. فساد الأطباء في القطاع الخاص: هناك فرصة للعاملين في القطاع الصحي الخاص لارتكاب أنشطة فساد بسبب تأثيرهم المباشر على القرارات الطبية بالتشخيص ووصف العقاقير الطبية، وفترة الإدخال للمستشفى، وطلب الفحوص المخبرية وتحويل المرضى لاستشارات أو خدمات إضافية وتحرير التقارير الطبية، فإذا لم تكن هذه القرارات في صالح المريض بمرجعية أخلاقيات المهن الصحية وإنما كانت بهدف الربح والكسب غير المشروع للطبيب فتشكل أنشطة فساد وهي للأسف منتشرة بكثرة في القطاع الخاص.

  3. الدخل المالي غير المنظور للاطباء والمهنيين الصحيين الاخرين يأخذ أشكال عديدة منها إساءة صرف العقاقير والمستلزمات والمعدات الطبية لاستخدامها في عمليات إعادة البيع أو في الممارسة بالقطاع الخاص أو لاستخدامها من قبل الأصدقاء والأقارب بهدف منفعة العلاقات الشخصية، ولا يمكن النفي بأن يكون الدخل غير المنظور من الاختلاس والسرقة المباشرة من عوائد تقديم الخدمات للمواطنين بطرق تحايل عديدة، أو الحصول على دخل مالي أو منفعة شخصية مقابل تقديم خدمات يفترض أن تقدم مجانا، أو الحصول على هذه المنافع مقابل التحويل للقطاع الخاص أو مقابل تقديم علاجات معينة باهظة الثمن.

  4. الفساد في المشتريات يأخذ أنماط مختلفة فقد يكون على شكل الموافقة على قيم مالية تتجاوز القيمة الحقيقية، أو على شكل الاخفاق في تعزيز وتشجيع المعايير التعاقدية القانونية بالنسبة لجودة العقاقير والمستلزمات والمنشآت، أو شراء خدمات فندقية وخدمات صيانة وتنظيف ثمنها باهظ لا يتناسب مع جودتها.

  5. الفساد في آليات تحصيل المال العام، من مثل التراخي في إجراءات تحصيل الرسوم المقررة، أو عدم التحصيل المالي عن طريق علاج المرضى غير المؤمن عليهم صحياً باستخدام بطاقات أشخاص مشمولين بالتأمين الصحي، وصرف بطاقات تأمين صحي لأشخاص لا يستحقونها، وكذلك تقديم فواتير غير حقيقية للتأمين الصحي لعلاج المرضى في القطاع الخاص، وقد يصل هذا النوع من الفساد في بعض الأحيان إلى التزوير المباشر في سجلات وقيود الفواتير ودفاتر الإيصالات، وقد يكون الفساد في هذا المجال بالانتفاع بتحويل مرضى المستشفيات العامة بصورة غير مناسبة ودواعي غير حقيقية للقطاع الخاص بهدف المنفعة المالية أو منفعة العلاقات الشخصية.

  6. الفساد في سلسلة التعامل مع المستلزمات الطبية، ويشمل ذلك تحويل مسار أو سرقة المستلزمات الطبية عند نقاط معينة في نظام التوزيع، وقد تكون على شكل قبول مبالغ نقدية مقابل الموافقة واعتمادا منتجات محددة أو تسهيلات خاصة بإجراءات التخليص الجمركي أو بشأن وضع الأسعار وتحديدها، وقد يكون الفساد في هذا المجال بالسماح باستخدام ووصف عقاقير ومستلزمات محددة دون غيرها مقابل مردود مالي للجان العطاءات أو للأطباء أو على شكل توفير أدوية دون المستوى الحقيقي أو ذات معايير مخالفة.

  7. فساد صانعي القرار والمدراء على المستوى التنفيذي والرقابي: هناك دور أساسي للحكومة بتقديم الخدمات الصحية للمواطنين بتوفير الرقابة على الخدمات الصحية بما في ذلك سلامة العقاقير وفاعليتها وضمان أن المهنيين في القطاع الصحي حاصلي