الدكتور هاني جهشان
الدكتور هاني جهشان
تابع المزيد
www.jahshan.com إلى الموقع الرئيسي
المشاركات الشائعة

السجائر الإلكترونية بين الخرافة والحقيقة

1/10
Please reload

المشاركات الحديثة
Please reload

Please reload

الارشيف
التسميات
Please reload

دور وزارة الصحة بالوقاية من العنف والحوادث

تشكل الشراكة والتنسيق بين القطاعات المتعددة الأساس الصحي والسليم في الوقاية والحماية من العنف والإهمال ومن إصابات الأطفال العرضية، حيث أن تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية ودعم الضحايا ومعاقبة المعتدين يتطلب ترابطا وتواصلا بين هذه القطاعات، إلا أن وفاة الطفلة نورا مؤخرا وقبلها يزن وقصي وفرح وزكريا وغيرهم بسبب الإخفاق بالاكتشاف المبكر من قبل الأطباء، وعدم قيامهم بتبليغ الجهات القضائية والاجتماعية، يتطلب تسليط الضوء على الفجوات والعوائق والتحديات في وزارة الصحة والتي تؤدي إلى هذا الإخفاق.

 

في التعامل السريري مع الأطفال يخفق الأطباء باكتشاف حالات العنف والإهمال بادعاء عدم تلقيهم التدريب في هذا المجال وبسبب غموض القانون لديهم، ولغياب منظومة إدارية يتوقع ان توفر لهم آلية مريحة للتبليغ، وأيضا لا يقوم الأطباء بالتبليغ لشيوع ثقافة مغلوطة لديهم أن العنف داخل الاسرة هو أمر اجتماعي وليس صحي، وأيضا بسبب خوفهم من ردود فعل أهالي الأطفال المعرضين للعنف وبسبب عدم رغبتهم بالتعامل مع الشرطة والمحاكم وما يتطلب ذلك من كتابة تقارير والشهادة بالمحاكم.

 

إن الطبيب الذي يخفق في تشخيص حالة عنف يرتكب خطأً طبيبا تماماً كالطبيب الذي يخفق في تشخيص حالة التهاب سحايا الدماغ، والطبيب الذي يخفق في التبليغ عن حالات العنف ضد الأطفال او اهمالهم يرتكب جريمة نص عليها قانون العقوبات الأردني بكل وضوح وذلك يستوجب ملاحقته جزائيا، فمَنْ المسؤول عن ضعف أو غياب المعرفة والمهارة لدى الأطباء لاكتشاف حالات العنف وإهمال الأطفال؟ ومَنْ المسؤول عن غياب معرفتهم بالمرجعيات القانونية المتعلقة بإلزامية التبليغ عن هذه الحالات؟ ومَنْ المسؤول عن عدم التزامهم بالمرجعيات الأخلاقية الواردة بالدستور الطبي الأردني؟ هذه التساؤلات أيضا تستوجب تسليط الضوء على دور وزارة الصحة في التعامل مع العنف والإهمال الأطفال.

إن المرجعية المعرفية في كون مواجهة العنف، بالوقاية والاستجابة، من المهام الأساسية لوزارة الصحة قائم على الأبحاث العلمية المسندة التي تشير الى ان العنف والإهمال والإصابات تشكل ما يقارب 10% من أسباب الوفيات والمراضة والذين اغلبهم من الأطفال.

كما أن التكلفة المالية التي تتكبدها وزارة الصحة لخدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والتأهيلية لحلات العنف والاصابات والإهمال تشكل جزءً هاماً من ميزانية وزارة الصحة، وتوجب التوجه إلى الوقاية قبل حصول العنف أو الإهمال أو الحوادث، مقارنة مع الاستجابة عقب حصوله.

 

الالتزام المهني، القانوني والأخلاقي بالتعامل مع حالات العنف والإهمال والإصابات:

تعامل الأطباء مع الأطفال ضحايا العنف والإهمال الذين يراجعوا الطوارئ والعيادات إن كان في القطاع العام أو القطاع الخاص، أو المستشفيات الجامعية او الخدمات الطبية الملكية أو عيادات وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، ليس أمراً اختياريا أو انتقائيا وليس امراً تطوعياً، هذا التعامل هو مسؤولية أساسية من مسؤوليات الأطباء بالمرجعية العلمية المعرفية والبحثية وأيضا بمرجعية القوانين الاردنية والدستور الطبي الأردني، وعلى وزارة الصحة ضمان ان يقوم الأطباء في كافة القطاعات بتحمل هذه المسؤوليات كما ورد في المادة 3 من قانون الصحة العامة: "تكون الوزارة مسؤولة عن جميع الشؤون الصحية في المملكة وتشمل مهامها بصورة خاصة الحفاظ على الصحة العامة بتقديم الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية والرقابية".

في مجال التبليغ عن حالات العنف واهمال الأطفال فإن التشريعات الأردنية اوجبت القيام بذلك بشكل واضح وجلي ولا يوجد هناك أي مبررات للأطباء بالتراخي في تطبيق هذه القوانين فالفقرة الثالثة من المادة 207 من قانون العقوبات الأردني نصت على” كل من قام حال مزاولته إحدى المهن الصحية، بإسعاف‏ ‏شخص يبدو انه وقعت عليه جناية أو جنحة، إخبار السلطة ذات الصلاحية" والمادة 8 من قانون الحماية من العنف الاسري رقم 6 لسنة 2008 تنص: "على أي من مقدمي الخدمات الطبية او الاجتماعية او التعليمية من القطاعين العام او الخاص ابلاغ الجهات المختصة حال علمه او مشاهدته اثار عنف واشعاره انها ناجمة عن عنف أسرى.  المادة 24 من الدستور الطبي: يجوز إفشاء سر المهنة بأحد الأسباب الآتية ...أثناء خبرة طبية قضائية أو طبابة شرعية وعندما تقتضي الضرورة حفاظا على أمن المجتمع الصحي.

إن غياب نص واضح في قانون الصحة العامة يتعلق بكون الوقاية والحماية من العنف والاصابات من مهام وزارة الصحة لا يبرر تراخي الوزارة بالتعامل مع العنف بمرجعية النص العام المتعلق بالحفاظ على الصحة العامة، كما وأن تأخر صدور قانون حقوق الطفل ووجود فجوات في قانون الحماية من العنف الاسري لا يعتبر مبررا للأطباء لعدم التبليغ عن حالات العنف ضد الأطفال وإهمالهم.

 

الوضع الحالي لتعامل وزارة الصحة مع العنف ضد الاطفال:

على الرغم من إنشاء قسم العنف الأسري في وزارة الصحة منذ عدة سنوات وحدد له مهام واضحة تشمل خدمات الكشف المبكر والتعامل مع حالات العنف الأسري في المؤسسات الصحية التابعة للوزارة ومتابعة تنفيذها، الا ان مهام هذا القسم وللأسف لم تنفذ على ارض الواقع، ولا زالت حالات العنف واهمال الأطفال تشاهد في العيادات التابعة لوزارة الصحة ويتم التعامل معها بلا مبالاة وبسطحية دون تبليغ الجهات القضائية والاجتماعية المعنية بالحماية ونتج عن ذلك العديد من تفاقم الحالات لتنتهي بالوفاة أو الاعاقة، كما وتم تشكيل لجان حماية الاسرة في بضعة مستشفيات ومراكز صحية، ضمن مشروع لليونسف، الا أن هذه اللجان نادرا ما تجتمع او تقوم بالمهام المتوقع ان تقوم بها لمتابعة الحالات والوقاية من تفاقم عواقبها.

لقد تم تدريب عدد من الأطباء في وزارة الصحة حول التشخيص المبكر وحول الاستجابة لحالات العنف ضد الأطفال، الا أن تفاقم عدد الحالات والاخفاق باكتشافها وانتهائها بالوفاة يشير إلى الإخفاق في استدامة هذا التدريب، والذي أصبح عشوائيا ويترك على هوى المدربين دون مرجعية علمية موحدة، وتدني محتواه من حيث المعرفة والمهارة والاخلاقيات المهنية والمرجعية القانونية، ولم يتم الالتزام بالتدريب التفاعلي السريري الفعال.

تم اعداد ادلة إجراءات للتعامل مع العنف ضد الأطفال وتوزيعها على عدة عيادات في المراكز والمستشفيات الصحية الا ان استعمالها غير مفعل والعديد من أطباء وزارة الصحة لا يلتزم بها واغلبهم لا يعلم بوجودها.

الخدمات الصحية التي يحتاجها ضحايا العنف من وزارة الصحة تشمل تخصصات متعددة أهمها الطب الشرعي والطب النفسي وطب الأطفال والنسائية والتوليد وطب الطوارئ الخ. الا ان هذه الخدمات تقدم بشكل مبعثر مع غياب التنسيق فيما بينها فيما يختص بالمتابعة السريرية للحالات.

الوقاية والاستجابة للعنف وللإهمال وللحوادث يتطلب تعاون القطاعات الصحية والاجتماعية والقانونية، وقد أثبتت الأدلة العلمية والأبحاث المسندة أن مبدئ الصحة العامة هو الأسلوب الأنسب للتنسيق التشاركي بين هذه القطاعات، لكن للأسف مبادئ الوقاية من العنف والإهمال والإصابات لا زالت غائبة تماما عن الخطط الصحية الوطنية لوزارة الصحة وعن استراتيجيات الصحة العامة.

 

مطلوب من وزارة الصحة ان تتحمل مسؤوليتها نحو الوقاية والاستجابة للعنف على المستوى الوطني:

بشكل عام يمتاز موقع وزارة الصحة، بأي دولة، بالقدرة على جمع المعلومات وتحليل عوامل الخطورة وتوفير الخدمات الإسعافية الطارئة والخدمات العلاجية والتأهيلية اللاحقة، وقدرتها على التوعية والتثقيف الصحي وتدريب المهنيين في القطاع الصحي والقطاعات الأخرى، كما وأن مراكزها الصحية ومستشفياتها توفر النفاذ لكافة مناطق الدولة، لذلك تراخي وزارة الصحة الاردنية في التعامل مع العنف وإهمال الأطفال غير مبرر ويتوقع منها القيام بما يلي:

في المجال التنفيذي: يتوقع من وزارة الصحة إنشاء مديرية متخصصة بالوقاية والاستجابة للعنف والإصابات كما اوصت منظمة الصحة العالمية يكون من مهامها ما يلي:  

تنفيذ ومتابعة وتقيم وتطوير الخدمات الصحية المقدمة لضحايا العنف والحوادث ما قبل وأثناء وما بعد العلاج بالمستشفى.

تخطيط وتنفيذ ورصد وتقييم برامج الوقاية من العنف والحوادث بالمرجعية العلمية لمبدأ الصحة العامة.

كسب التأييد لمفهوم "الوقاية من العنف" داخل وزارة الصحة وخارجها مع الشركاء في القطاعات الأخرى.

تحديد المهنيون الرئيسيون العاملون في مجال "الوقاية من العنف والحوادث" على المستوى الوطني وتيسير مشاركتهم في البرامج الصحية ذات العلاقة.

رفع كفاءة العاملين بالقطاع الصحي من حيث المعرفة والمهارة، والأخلاقية المهنية والقانونية والقدرة على التشبيك والتواصل.

جمع ونشر المعلومات الإحصائية والتوثيقية عن العنف.

على المستوى الوطني يتوقع من وزارة الصحة ومن المجلس الصحي العالي العمل على تخطيط وتنفيذ مبادرة تشمل ضمان امتداد خدمات حماية الطفل من العنف والإهمال والاصابات إلى القطاعات الصحية في المستشفيات الجامعية والخدمات الطبية الملكية ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين والقطاع الخاص، وهذا يتطلب تطوير خطة عمل وطنية للوقاية من العنف والحوادث خاصة بالقطاع الصحي، كما ويتوقع من وزارة الصحة التعاون مع القطاعات القانونية والاجتماعية للمساهمة بخططها الوطنية.

في مجال التشريعات: يتوقع من وزارة الصحة الدعوة إلى تعديل قانون الصحة العامة بحيث يضاف مهام الوقاية من العنف والإصابات إلى المهام الرئيسة لوزارة الصحة، والمساهمة مع وزارة التنمية الاجتماعية في إجراء تعديل قانون الحماية من العنف الاسري وخاصة المادة 8 لتفادي الفجوات التي وردت به والدعوة للإسراع في إصدار قانون حقوق الطفل.


الدكتور هاني جهشان مستشار الطب الشرعي

الخبير في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload